شخصي - قروي - رياضي - عام - ثقافي - اجتماعي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
محمد سالم يوسف الادمن في الموقع يتمني لكم مشاركة ممتعة وكل عام وانتم بخيـــــــــــــــــــــــــــــــر
معا من اجل انتخاب ابن البلامون الكابتن عوض صقر مرة واحدة نقف مع ابن البلد
انتخبوا ابن البلامون الكابتن عوض صقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر ابن قرية البلامون- السنبلاوين - الدقهليه وذلك لعضوية مجلس الشعب المصري
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الأستاذ الدكتور محمد نجيب علام
الجمعة يوليو 24, 2015 11:34 am من طرف شيرين

» أحد أعظم رواد جراحات الكلى والمسالك البوليه
الثلاثاء ديسمبر 17, 2013 5:24 am من طرف شيرين

» افتتاح كاس العالم جنوب افريقيا الفين وعشرة(2010 )
السبت يونيو 12, 2010 12:14 pm من طرف Admin

» امس 11-6-2010 في كاس العالم افتتاح البطولة
السبت يونيو 12, 2010 12:03 pm من طرف Admin

» رسالة الي الوالي
الجمعة مارس 19, 2010 8:37 pm من طرف Admin

» قريبا عودة مبارك
الجمعة مارس 19, 2010 8:34 pm من طرف Admin

» صلاح الدين الايوبي
الأحد ديسمبر 20, 2009 6:13 am من طرف Admin

» عمرو بن العاص وفتح مصـــــــــــــــــــــــــــــــر
الأحد ديسمبر 20, 2009 6:10 am من طرف Admin

» داهية العرب
الأحد ديسمبر 20, 2009 6:09 am من طرف Admin

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني
محمد سالم يوسف الشويل
كل عــــــام والامـة الاسلامية بالخير واليمن والبركات
http://shuweilfacebook.tk/
فيس بوك

شاطر | 
 

 محاضرة "البحث عن السعادة"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 67
نقاط : 230
تاريخ التسجيل : 08/12/2009
العمر : 31

مُساهمةموضوع: محاضرة "البحث عن السعادة"   الثلاثاء ديسمبر 08, 2009 11:41 am


.... وأشهد أن لاإله إلا الله وحد لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، آخر النبياء في الدنيا عصراً، وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين...
أما بعد...

فإن المؤمنين متفقون على أن النبي صلى الله عليه وسلم ربى أكمل جيل وأمثل رعيل, كانوا شامة في جبين الأيام وتاجاً في مفرق الأعوام، حتى قال عنهم الشاعر العربي:

الله يعلم ما قلبت سيرتهم يوماً وأخطأ دمع العين مجراه

فأصحاب محمد صلوات الله وسلامه عليه بهم نصر الله جل وعلا الدين وأعز الملة, نشأوا في مدرسة محمد صلوات الله وسلامه عليه, فهم المطعمون المنفقون الشاكرون في السراء, وهم الثابتون الصابرون في الضراء والبأساء {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}...
أيها المؤمنون: إن من ينشد الحياة السعيدة لن يجدها ظاهرة بينة واضحة كما يجدها في حياة محمد صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين, والحديث عن تلك القمم الشامخة حديث يطول, لكننا نحاول أن نقف على بعض أجزاء منه إن تعذر علينا أن نقف عليه كله...
أيها المؤمنون: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ذلك الجيل الأمثل والرعيل الأكمل, كانت فيهم صفات عدة, ومن عظمة السيرة وما حفلت به أنه يمكن أن يتدارسها الناس من عدة طرائق لأنك لا تدرس شيئاً خفياً لتظهره, وإنما هي ظاهرة بينة واضحة كالشمس المشرقة, وإنما ينهل منها الواردون, ويستقي منها الطالبون, وكل يوفقه الله جل وعلا ولو إلى حيز بحسب دوره في المجتمع من سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم، وإنني إذ أحمد الله جل وعلا أن أسكنني الله جل وعلا في مدينته صلوات الله وسلامه عليه, ثم قدم بي اليوم إلى هذا الملتقى المبارك الذي تنظمه جمعية إحياء التراث بارك الله جل وعلا في المشايخ النبلاء والرجال الفضلاء القائمين عليها وبارك فيكم جميعاً بلا استثناء... فإنني أسأل الله جل وعلا أن أُوفق في أن أنقل شيئاً حسناً عن سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم, فهم حسنٌ بلا شك, لكن نرجو أن نوفق في الطريقة التي تبيّن لنا ذلك المجتمع المسلم الذي كان يحيا الحياة السعيدة الحقة، والتي نظم الإخوة في جمعية إحياء التراث هذا المخيم الربيعي وكان هدفهم الأسمى وغايتهم الجُلّى أن نصل جميعاً إلى حياة أسعد، أي إلى حياة كان يحياها نبي الأمة ورأس الملة صلوات الله وسلامه عليه.

الخوف من الله: أعظم مقاصد الشرع، وأعظم ما يثيب الله جل وعلا عليه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}، الخوف من الله تبارك وتعالى سبيل لكل غاية، وإذا أراد الله بعبد خيراً وطّن قلبه على أن يخشى ربه جل وعلا ويخاف منه: {قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}، وكان هابيل أشد قوة من قابيل, فلما هم قابيل بقتل هابيل ما منع هابيل ضعف في بدنه، وإنما منع هابيل أن يقتل أخاه خوفه من الله: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}، فالخصيصة الجُلّى التي كان عليها أنبياء الله من قبل، ورسولنا صلى الله عليه وسلم من بعد، وعلّمها صلى الله عليه وسلم أصحابه في حياته؛ الخوف من رب العالمين جل جلاله، لأن العبد إذا خاف الله تجنب الذنوب والمعاصي أن يقتحمها، وإن والعياذ بالله لم يرزق في قلبه خوفاً من الله تجرأ على المعاصي وتجرأ على الذنوب, ومثل هذا أين يُرجى أن يُؤتى كمالاً أو يُعطى منالاً من ربه تبارك وتعالى، فأنشأ محمد صلى الله عليه وسلم ذلك الجيل على الخوف من ربهم تبارك وتعالى، وأورثهم ذلك الخوف البعد عن المحرمات والمسارعة والمسابقة في الخيرات, وألا لا يُعقل أن أحداً يتجرأ على معصية إلا إن قل الخوف فيه من الله، قد لا ينعدم بالكلية لكن يقل، ولا يُمكن أن يأتي أحد إلى طاعة إلا وحسُن ظنه بالله أن يثيبه، قال الله جل وعلا: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، ليس العلماء من حفظوا المتون وأملوا الدروس, كلُّ من خشي الله فهو عالم بمقدار خشيته, وكلُّ من عصى الله فهو جاهل بمقدار معصيته، قال الحسن البصري رحمة الله تعالى عليه: "إنما العلم الخشية" أي الخوف من الرب تبارك وتعالى... هذه أيها المباركون أول وأعظم ما ربى النبي صلى الله عليه وسلم أمته وهو المفتاح الحق للحياة السعيدة.

الأمر الثاني وليس المقصود الترتيب وإنما كما قلت أنا أجتذب من السيرة ما أمكن:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال الله جل وعلا: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}، وقال جل وعلا: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}... الفساد في الأرض أعظم ما نهى الله جل وعلا عنه قال تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}، ولما أثنى الله جل وعلا على رجال قد خلوا وأمم قد سبقت قال: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ}، و{لَوْلاَ} هنا بمقام الحض والحث، والذي يعنينا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظمى, حملها النبي صلى الله عليه وسلم وحملها أصحابه من بعده وفي حياته صلوات الله وسلامه عليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يُشعّب الحديث معنا قليلاً علمياً, توحيد الله جل وعلا وإفراده تبارك وتعالى بالعبادة أعظم المعروف، والشرك بالرب تبارك وتعالى أعظم المنكر, قال: أي الذنب أعظم؟ قال : "أن تجعل لله نداً وقد خلقك"... وأعظم المعروف كما حررنا سلفاً توحيد الرب تبارك وتعالى، ولهذا بدأ الرسل جميعاً بلا استثناء دعوتهم إلى أممهم بدعوة الناس إلى عبادة الله وحده وإفراد العبادة له جل وعلا دون سواه مع التحذير والنهي عن الشرك، كما قال الله حكاية عن العبد الصالح: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، ثم من أعظم المعروف الذي أمر به جل وعلا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبقية الأركان، أما المنكرات فأن من أعظمها بعد الشرك إثنان: القتل والزنا، وهذه الثلاث - ألا وهي: الشرك بالله والقتل والزنا - حرمها الله في جميع الشرائع قال الله جل وعلا في سورة مكية وهي الفرقان: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} هذه الآيات نزلت في العهد المكي قبل أن تُفصَّل الشرائع كما وقع في المجتمع المدني....
فأما القتل فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لأن تهدم الكعبة أهون عند الله من قتل مسلم"، ذلك أن الكعبة إذا هُدمت إنما هي بنيان يأتي الصالحون فيعيدون بناءها, أما المسلم إذا قُتل وأزهقت روحه فلا سبيل أبداً إلى عودة روحه, من هنا كان عظمة قتل المسلم معظمة جداً عند ربنا تبارك وتعالى إلا بالحق كما قيد ربنا جل وعلا، والله جل وعلا ذكر في القرآن خبر قابيل و هابيل، وأن قابيل تجرأ على هابيل فقتله، فلما حار في أخيه كيف يصنع به, وأراد الله أن يعلمه عامله الله جل وعلا بمثل صنيعه، كل شيء يا أُخي مما فيه روح قابل أن يبعثه الله ليعلم قابيل, لكن الله اختار الغراب من أعظم الفواسق, حتى يقول لقابيل هذا من جنسك أنت، قال الله جل وعلا: {فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ} ماذا قال؟ قال: {قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} فاعترف أن الغراب أفضل منه، والسبب في ذلك أنه تجرأ على دم حرام لم يبحه الله جل وعلا، والمسلم الذي يعلم ما هو المعروف وما هو المنكر لا يتجرأ على الدماء بيده، ولا يتجرأ على الدماء بلسانه فيريق دماً مسلما معصوماً بفتوى أو بغيرها يريد بذلك عرضاً من الدنيا أو يخطيء أو يصيب، وإنما دماء المسلمين حرام قبل، أن يتكلم المرء فيها يجب أن يتقي الله جل وعلا تقوى عظيمة, وقد مر معكم أن أبا حنيفة رحمة الله تعالى عليه في أيامه كأنه ظهرت في مكان كان يسكنه شوكة الخوارج الذين يرون كفر مرتكب الكبيرة الذي يموت دون توبة , فجاءوه ذات يوم وهو في المسجد فرفعا سيفين عليه وقالوا: جنازتان في الباب - أي بباب المسجد - الأولى لرجل مخمور شرب الخمر فغص بها فمات ما تقول فيه؟ - هما يريدان أن يقول أنه كافر – قالوا: والجنازة الأخرى امرأة حبلى من الزنا ماتت قبل أن تتوب، فالخوارج يرون أن مرتكب الكبيرة كافر فيستبيحون دمه، فاحتال عليهما وقال: ممن هما؟ هل هما يهوديان؟ قالوا: لا، قال: هل هما من النصارى؟ قالوا: لا، قال: هل هما من المجوس؟ قالوا: لا، قال: ممن هما ؟ فقالا - من غير أن يشعرا - قالوا: هما مسلمان، قال : أنتم حكمتم أنهما مسلمان أنا لم أقل شيئاً، فقالوا: دعنا من ألاعيبك قل لنا هما في الجنة أم في النار؟ فقال رحمة الله تعالى عليه - وهنا يظهر دور العلم – قال: أقول فيهما ما قاله خيرٌ مني في من هو شرٌ منهما, أقول فيهما ما قاله عيسى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، وأقول فيهما ما قاله خليل الله إبراهيم: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} كل ذلك ورعاً أن يكون بسبب كلمة أو فتوى يقولها سفك للدماء، والمقصود من هذا أن الله جل وعلا حرم الدماء بطرائق شرعية معروفة، فلا يجوز لمؤمن أن يسفك دم مسلم "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً"....
والمنكر الثالث بعد الشرك والقتل: الزنا عياذاً بالله، قال الله جل وعلا: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً}، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجالاً ونساء في تنور ضيق من أدناه واسع من أعلاه يتضاغون فيه, قلت: "من هؤلاء يا جبريل؟", قال: "هؤلاء الزناة والزواني" عياذاً بالله، وينبغي على المجتمع المسلم أن يتعاضد أفراده وآحاده على إيقاف الرذائل مهما كانت, وعلى نشر الفضائل وحراستها, وعلى إشاعة فضيلة الحياء في الناس, حتى يبتعد الناس قدر الإمكان عن ذلك المنكر الذي حرمه الله وحرمه رسوله صلى الله عليه وسلم, بل قد قال العلماء: جاءت الشرائع كلها بتحريمه....
على أن العاقل إذا أراد أن يأمر بمعروف أو ينكر منكرا , يكون حكيماً عاقلاً لبيباً عالماً , فلا يؤدي إنكاره إلى مفسدة أكبر منها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ليس الطبيب الحاذق من يهدم مصراً"- أي مبانٍ عديدة دياراً بأكملها - "ليس الطبيب الحاذق من يهدم مصراً ليبني قصراً" أي ليبني قصراً واحدا،ً وإنما ينظر - من تصدر للقرار للكلام للحديث للفتوى للتدريس - ينظر للمجتمع, وقد يمكن السكوت على منكر خوفاً مما هو أعظم منه في بيئة, ولا يمكن السكوت عنه في بيئة أخرى، وهذه أمور يدركها كل من تأمل الشريعة حق التأمل, ونشأ مؤصلاً نفسه علمياً على سنن صالح الأسلاف رحمة الله تعالى عليهم.

الخصيصة الثالثة للمجتمع المحمدي:
التواد والتراحم: أخرج الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم فلقي أبا بكر وعمر في ساعة لم يكن يخرج ولا يخرجا فيها, قال: "ما الذي أخرجكما في هذه الساعة؟", قالا: أخرجنا الجوع, قال صلى الله عليه وسلم: "وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الجوع"، هذا النبي الأمي لم يكن غنياً ولم يكن فقيراً, تمر عليه أيام يجد فيها ما يأكله, وتمر عليه أيام لا يجد فيها ما يطعمه، وبهذه النظرة التكاملية يُعرف وضعه صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى}، خرج عليه الصلاة والسلام ومعه أبو بكر وعمر رضوان الله تعالي عليهما أخرجهما الجوع، قال: "وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الجوع"، ومن هنا تعلم أن بعض الفضلاء من الناس إذا قال كلمة (أنا) تعوّذ وقال" أعوذ بالله من كلمة (أنا)، ولا يوجد تثريب شرعي في أن يقولها الإنسان، إنما نقمها الله على فرعون وعلى إبليس لما بعدها لا للفظة نفسها؛ لأن إبليس قال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}، وفرعون عياذاً بالله قال: {أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى}، لكنها تُكره إذا كان الإنسان يطرق باباً فسُئل: من أنت؟ فيقول: أنا، فمثل هذه الحالة لا تفيد معنىً ولا تؤدي جواباً ولا يُعرف من أنت ما لم تسمّي نفسك, من أجل ذلك كرهها نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع المقيد... خرج عليه الصلاة والسلام ومعه أبو بكر وعمر فأتوا بيت أبي الهيثم بن التيهان رضي الله عنه وأرضاه، لم يكن في الدار كانت زوجته, لما رأتهم فرحت وخوفاً من أن يذهبوا قالت: مرحباً وأهلاً, وأدخلتهم الدار, فجاء أبو الهيثم فلما رآهم قال: ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، وصدق رضي الله عنه وأرضاه, لم يكن يومها على وجه الأرض أحد أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، فبادر إلى عذق في النخلة فأخرجه بسراً وتمرا ورطباً, وكل ما عنده فقدمه لهم وقال: تخيروا، ثم عمد إلى المدية وهي السكين, فرآها النبي صلى الله عليه وسلم في يده - فتأمل أيها المبارك كيف يربي نبي الأمة عليه الصلاة والسلام الأمة - قال: "إياك والحلوب"، أي لا حرج أن تذبح, لكن لا تذبح شاة حلوباً يستفيد منها أهل الدار، لو منع النبي صلى الله عليه وسلم أبا الهيثم أن يذبح لمنعه من إكرام ضيفه، وهذا لا يُعقل أن يفعله عليه الصلاة والسلام, وفي نفس الوقت يخشى على أهل البيت الضرر فقال: "إياك والحلوب"، وهكذا العاقل في تعامله مع من حوله في القضايا التي تلج عليه مع الناس لا يمكن أن يسلب الناس ما يفخرون به ويفرحون به، وفي نفس الوقت لا يُطلق العنان حتى تصبح المسألة مسألة ضرر، فتنقلب من إكرام ضيف إلى ضرر بالأهل, فقال صلى الله عليه وسلم: "إياك والحلوب"، ونظير هذا في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم أحد كثر القتلى في المسلمين حتى بلغوا سبعين, فحملت الأنصار قتلاها تريد أن تدفنهم في المدينة, فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يدفنوا القتلى الشهداء في مواضعهم، والقتلى سبعون, والصحابة الذين نجوا كانوا مرهقين جداً حتى أنهم صلوا الظهر قعوداً وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فعاد عليه الصلاة والسلام إلى أسلوبه الأمثل، ماذا قال؟ لم يوافق على أن ينقلوا القتلى إلى المدينة, حتى تشهد أرض أحد لهم, وفي نفس الوقت لا يريد أن يكلف هؤلاء المثخنين بالجراح أن يحفروا سبعين قبراً، ماذا قال؟ قال: "اجعلوا الرجل والرجلين والثلاثة في قبر واحد"، فإذا جعلنا ثلاثة من قتلى المسلمين وشهدائهم في قبر واحد قل عدد القبور, فلجأ صلى الله عليه وسلم إلى طريقة مثلى تجمع ما بين عدم إرهاق الصحابة وفي نفس الوقت يتحقق المراد ويُدفن الشهداء عند جبل أحد أرض المعركة... هنا قال صلى الله عليه وسلم: "إياك والحلوب"، ذبح لهم رضي الله عنه وأرضاه, قدَّم, قال صلى الله عليه وسلم بعدها لصاحبيه: "لتُسألن عن هذا النعيم يوم القيامة"، ثم إنه صلى الله عليه وسلم - وما يحمله في قلبه من مودة ورحمة مع علو كعب في الفهم- كأنه عرف أن أبا الهيثم ليس له خادم, فلما فرغ من ضيافته قال له: "ائتنا إذا جاءنا سبي"، فلما قدم سبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه أبو الهيثم, وقد جاء بالسبي رجلان, فقال صلى الله عليه وسلم: "اختر أيهما شئت", قال: يا رسول الله اختر لي، قال عليه الصلاة والسلام كلمته التي سارت بها الركبان وضُربت مضرب المثل قال: "المستشار مؤتمن"، يعلم الأمة أن من استشارك فقد قلدك أمانة في عنقك، فاتق الله جل وعلا فيمن استشارك أن تكون بطانة خير له, تُخبره بما ينفعه, وتدله على الصواب, ولا يقع في مثل هذه الأحوال غيبة، فقال صلى الله عليه وسلم ليبين للأمة ما الطريق المثلى في الحكم على الناس قال: "اختر هذا فإني رأيته يصلي"؛ لما كان صلى الله عليه وسلم يعلم أثر الصلاة على النفس قال لهذا الصحابي الجليل لأبي الهيثم: "اختر هذا فإني رأيته يصلي"، ثم قال صلى الله عليه وسلم له: "واستوصي به معروفاً" شفقة على هذا الرقيق، رجع أبو الهيثم مع الرقيق الذي أعطاه نبينا صلى الله عليه وسلم إياه من السبي, دخل على زوجته يظهر الفرح على أسارير وجهه, أخبرها الخبر, ثم قال لها: وإن نبي الله قال لي: "واستوصي به خيراً" أو "معروفاً"، فقالت المرأة الحاذقة: يا أبا الهيثم أعتقه فبهذا يتحقق وصية نبينا صلى الله عليه وسلم, ولم يكن مراد رسول الله فيما نعلم أن يعتقه، لكن المرأة أرادت أن تبلغ الكمال في حمل حديث نبي رب العزة والجلال صلوات الله وسلامه عليه، فأعتقه، فبلغ خبر عتقه للنبي صلى الله عليه وسلم, فقال صلوات الله وسلامه عليه أخبر أن المرء لا بد له من بطانة إما بطانة خير وإما بطانة سوء, وقصده أن هذه المرأة هذه الزوجة كانت بطانة خير لزوجها بما أشارت به عليه، والحديث سقناه لنبين التواد والتراحم في المجتمع المدني آنذاك, والنماذج على هذه كثيرة لكننا حدثنا ببعضها.

الخصيصة الرابعة التي كان عليها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مما رباهم عليه نبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه:
القيام بواجب المسلم نحو أسرته: الله جل وعلا قدم من لهم حقوق, قدم الوالدين وقال بعد ذلك: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ}، وبين حق الجار، والعاقل ينتقل من دائرة ضيقة إلى دائرة أوسع, فلا يقدم من أخره الله, ولا يؤخر من قدمه الله, وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعرفون حق أسرهم عليهم, حتى ينشأ المجتمع مجتمعاً مدنياً، ألا ترى أن أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ألصق الناس به؛ خديجة زوجته وأبو بكر صاحبه وزيد غلامه وعلي ربيبه، فهؤلاء أول الناس إسلاماً لأنهم كانوا قريبين جداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرون عطفه ورحمته وشفقته، فتأثروا, فلما دعاهم إلى الإسلام بادروا، والمؤمن ينبغي أن يدرك واجبه نحو أسرته، جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري رضي الله عنهما استدعاه أبوه ليلة أحد, ثم قال له: يا بني قد حضر ما ترى، أي القتل والحرب والمعركة, وإني لا أراني إلا أول من يقتل غداً, فإذا أنا مت فاقضي ديني واستوصي بأخواتك خيرا, وكان جابر رجلاً ذكراً واحداً بين أخوات، جاءت المعركة كان عبد الله بن حرام والد جابر صادقاً مع ربه، فكان من أوائل من قُتل في المعركة, يقول جابر: فدفنت والدي مع غيره، وجاء في رواية أظنها في الموطأ من مراسيل مالك أنه دُفن مع عمرو بن الجموح، ثم يقول: لم تطب نفسي بعد ستة أشهر أن يُدفن رجل مع أبي, فحفرت فوجدته كيوم دفنته إلا شيء يسيراً في أذنه، موضع الشاهد: أن جابراً أخذ بوصية أبيه في العناية بأخواته فتزوج، على أي طريقة تزوج؟
على الطريقة المحمدية في تعليم الناس, لا يترك الأشياء بالكلية, ولا يأخذها بالكلية, وإنما يلجأ صلى الله عليه وسلم إلى الوسطية في التعامل مع الأشياء، فجابر أيها المبارك أوصاه أبوه بأخواته, وفي نفس الوقت هو شاب لنفسه عليه حق أن يتزوج ، فكان أمامه طريقان: إما أن يترك الزواج ويعتني بأخواته، وأما أن يقول ينشأن على مراد الله على رعاية الله وأتزوج وأنظر في نفسي، لكن جابراً التلميذ في المدرسة المحمدية لم يصنع هذا ولا هذا, تزوج امرأة ثيباً, فلما تزوج الثيب أسقط شيئاً من حق نفسه في أنه لم يتزوج بكراً , لكن لم يسقط الزواج بالكلية , وفي نفس الوقت أسقط شيئاً يسيراً من حق أخواته أنه لم يتفرغ لهن بالكلية, لكن تزوج ثيباً حتى تقوم على أخواته، فلما قال له النبي صلى الله عليه وسلم وقد علم أنه تزوج: "هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك" ذكره بوصية أبيه , قال يا نبي الله أن أبي ترك أخوات والأمر كذا وكذا فسره له, فأقره صلى الله عليه وسلم على قوله ذلك بسكوته ولم يعنفه ولم يثرب عليه صلوات الله وسلامه عليه....
أيها المؤمنون من حولنا من أبوين وزوجة وبنات في المقام الأول وبنين في المقام الثاني أحوج الناس إلينا, ولا خير فينا إن كان الإنسان منا يحاول أن يعطي الأبعد ويترك الأقرب، لكن يقدم من قدمه الله، لأن من يعطي الأبعد ويترك الأقرب، نقول له: إن كنت تريد ما عند الله فليس هذا الطريق الذي رسمه الله جل وعلا لنا, وإن كنت تريد ما عند الناس فإن الناس والله لا يملكون قلوبهم حتى يهبوها لك, فكيف تطلب منهم شيئاً لا يملكونه ولا يطيقونه، وإنما يُعرف الرجل والعالم الرباني بسيره على منهاج الله, بوقوفه عند كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، قال المؤرخون أن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه مر ذات ليلة على فتية من الأنصار يحتسون الخمر - من الأنصار يعني نسباً - في حائط أي في بستان, فاعتلى السور ودخل عليهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين جئنا بواحدة وجئتنا بثلاثة؛ قال الله: {وَلا تَجَسَّسُوا} وأنت تجسست، وقال الله: {وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} وأنت أتيتنا من أعلى السور، وقال الله: {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} أي تستأذنوا وأنت لم تستأذن، وعمر يملك الرد على هذا، لكنهم لما أتوا عن طريق الآيات أطرق رضي الله عنه وأرضاه رأسه لها، وهذا هو حقيقة الوقوف عند آيات الله، قال حافظ رحمه الله:

وفتية أولعوا بالراح فانتبذوا *** لهم مكاناً وجدوا في تعاطيها
ظهرت حائطهم لما علمت بهم *** والليل معتكر الأرجاء ساجيها
حتى تبينتهم و الخمر قد أخذت *** تعلو ذؤابة ساقيها و حاسيها
سفهت آراءهم فيها فما لبثوا *** أن أوسعوك على ما جئت تسفيها
و رمت تفقيههم في دينهم فإذا *** بالشرب قد برعوا الفاروق تفقيها
قالوا مكانك قد جئنا بواحدة *** و جئتنا بثـلاث لا تباليها
فأت البيوت من الأبواب يا عمر *** فقد يُزنُّ من الحيطان آتيها
واستأذن الناس أن تغشى بيوتهم *** و لا تلم بدار أو تحييها
و لا تجسس فهذي الآي قد نزلت *** بالنهي عنه فلم تذكر نواهيها
فعدت عنهم و قد أكبرت حجتهم *** لما رأيت كتاب الله يمليها
و ما أنفت و إن كانوا على حرج *** من أن يحجك بالآيات عاصيها

وهذا هو الشاهد من القصيدة كلها:

وما أنفت وان كانوا على حرج *** من أن يحجك بالآيات عاصيها

أن عندما تقبل قول أحد لأنه استدل عليك بالقرآن، تقبله للدليل لا لذاته , وهذه تربية عظيمة يربي المرء عليها نفسه, لكنها تحتاج إلى نوع من المكابدة والاستمرار والأخذ والعطاء ما أمكن إلى ذلك سبيلاً...
يندرج في هذا الأمر كذلك: حب الإنسان للصغار من أهل بيته: أعظم الوشائج بين الأبناء والبنات وبين أبويهم تلك التي تُغرس في الصغر، والتي يكون فيها الإنسان وافر العطاء من الحنان والشفقة والمودة لمن يحب، قطع نبيكم صلى الله عليه وسلم خطبة له وهو يرى الحسن والحسين يمشيان فيعثران، فلما رآهما يمشيان ويعثران قطع الخطبة وحملهما ووضعهما بين يديه ورقى أعواد منبره، ثم قال: "صدق الله ورسوله: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} لقد نظرت إلى ابني هذين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى نزلت وحملتهما"، وقام من الليل كما في المسند بسند صحيح يسقي الحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليه.

من خصائص المجتمع المدني الذي من الله جل وعلا عليه بالحياة السعيدة آنذاك:
العفو عند المقدرة: والعفو أيها المباركون شيمة من شيم الكرام كانت العرب تتغنى بها في الجاهلية، فلما بُعث صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق ربى في أمته هذه الخصيصة، وجاء القرآن من قبل بها: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، {وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}، {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} كلها رغائب يضعها جل وعلا في كتابه تحث المؤمنين على العفو، ونبينا صلى الله عليه وسلم خير من ملك ثم عفا من البشر، ويقول بعض أهل السير أن أبا سفيان بن الحارث وهو أحد خمسة يشبهون النبي صلى الله عليه وسلم وهم: الحسن والحسين وقثم والفضل وأبو سفيان بن الحارث رضي الله تعالى عنهم جميعاً، هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه كان قبل إسلامه يقرض الشعر ويهجو النبي عليه الصلاة والسلام حتى أهدر دمه، فلما من الله عليه بالهداية استحيا كيف يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيُقال أن إحدى أمهات المؤمنين أشارت عليه أن: "قُل له كما قال إخوة يوسف ليوسف: {تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} فإن نبي الله لا يحب أن يكون أحد خيراً منه"، أي أنه يُنافس في الطاعات ويسابق في الخيرات صلوات الله وسلامه عليه، فلما قالها قبل النبي صلى الله عليه وسلم خطابه وعفا عنه، وأعظم ما يدفع إلى مثل هذا انتظار الفضل من الله، لأن الله أبهم أي لم يُبين مقدار الجزاء لمن عفا قال جل وعلا: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}، وما أبهمه الله جل وعلا في هذا الموقف سياق القرآن يدل على أنه شيء عظيم تشرئب إليه الأعناق وينشده الأفاضل من الرجال والنساء، ولا ريب أن من أعظم ما يُمكن أن نتعلم من الدين: كل من أوقفه الله جل وعلا ضعيفاً بين يديك وأردت أن تُعامله فعامله بمثل ما تُحب أن يُعاملك الله به إذا وقفت بين يديه؛ كل من أوقفه الله ضعيفاً بين يديك - في غير الحقوق والقضاء هذه لها طرائقها - كل من أوقفه الله جل وعلا ضعيفاً بين يديك ومكنك الله جل وعلا منه فاصنع به ما تُحب أن يصنعه الله جل وعلا بك إذا وقفت بين يديه.

إذا ختمنا هذه الخصائص نتكلم في:

ما هي السبل التي تُعين المؤمن على أن يتحلى بمثل هذه الخصائص وبما لم نذكره من خصائص المجتمع المحمدي؟:

أولها بلا شك: العلم بالله جل وعلا: فالعلم بالرب تبارك وتعالى مفتاح كل خير، ولا يُتصور أن أحداً يعبد الله على منهج بين وطريق واضح وخشية في القلب وهو لا يعلم الله، وإنما أعظم العلم معرفة الله؛ معرفة أسمائه وصفاته، وحتى يكون الحديث أوضح فإن إجلال الله جل وعلا في القلب بما ذكره الله جل وعلا في كتابه المبين يُعين المؤمن على أن يعرف ربه، ولله المثل الأعلى أي شيء يا أُخي تريد أن تعرف كينونته وان تصل إليه فلن تصل إليه إلا بإحدى ثلاث طرائق: إما أن تراه، هذه قارورة ماء: إما أن تراها وإما أن يراها غيرك فيصفها لك، وإما أن تقيسها على مثلها، فكل شيء تروم معرفته: إما أن تراه، وإما أن يراه غيرك فيصفه لك، وإما أن تقيسه على مثله، وحتى تزداد عظمة الله في قلبك هذه الثلاثة منتفية في حق الله، فنحن لم نرى ربنا، ولم يره أحد فيصفه لنا، وليس لله ند ولا مثيل ولا شبيه حتى نقيسه عليه، سبحانك وبحمدك ما عبدناك حق عبادتك، فالعلم بالله جل وعلا مفتاح كل خير وهو السبيل الأعظم للوصول إلى تلك الخصائص.
ثم بعد ذلك: دراسة السيرة العطرة والأيام النضرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: على أن تكون تلك القبسات مما يكون به شمولية كاملة يُعرف بها المنهج الحق، لأن من أخطائنا المعاصرة أن يأتي أحدنا إلى مجتمع مسلم ثم يريد أن يقيم دعوة سرية في مجتمع مسلم، فإذا ناقشته قال أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع هو وفلان وفلان - وعد خيار الأكابر من الصحابة - في دار الأرقم بن أبي الأرقم، ألا تعلم أن الدعوة مرت بمرحلة سرية وجهرية ومرحلة هجرة؟ وهذا أمر فيه ذهول عن حقيقة السنة والسيرة بحق، هذا صنعه النبي صلى الله عليه وسلم في مجتمع كافر، فيه صناديد قريش، فيه من لا يؤمن بالله ولا برسوله، أما أنت تحيا في مجتمع يؤمن بالله وبرسوله، فلا سبيل أبداً إلى تطبيق مثل هذا الأمر، وإنكا دعوة الأنبياء واضحة ظاهرة تُقال في الملأ كما تُقال في الخلا، قال الله جل وعلا على لسان كليمه موسى: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} ائتِ بالناس أنا لا أملك شيئاً أُخفيه، تعال في ضحى النهار في رابعة النهار وادعُ من شئت، ابعث وادعُ الناس لأنني لا يوجد شيء أُخفيه أنا أُبلّغ - هذا لسان موسى ومقاله – أُبلّغ عن رب العالمين جل جلاله... فالمقصود من هذا: يجب أن تُقرأ السيرة النبوية قراءة صحيحة في قضية الاستشهاد بها حتى نكون على بينة من أمرنا.
الأمر الثالث من الوسائل: أن يتذكر الإنسان معاده وأنه صائر إلى ربه لا محالة: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ} فالناس أيها المباركون - كما قلنا كثيراً في محاضراتنا وهذا قاله الله ورسوله من قبل – يخرجون من القبور أول الأمر مضطربين يحوم بعضهم حول بعض لا يدرون أين يذهبون قال الله: {كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ}، فيسمعون صوت إسرافيل يدعوهم إلى أرض المحشر، فينتظم سياقهم قال الله جل وعلا: {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ}، أين يذهبون؟ لا يوجد بعث قبل هذا ولا يوجد بعث بعده قال الله: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً}، يُحشر الناس أيها المبارك عراة أحوج ما يكونون إلى الكسوة، يُحشر الناس عطشى أحوج ما يكونون إلى الماء، يُحشر الناس - تدنو منهم الشمس - أحوج ما يكونون إلى الظل، والموفَّق من جمع الله جل وعلا له هذهه الثلاث، فكساه الله يوم الحشر، وسقاه من حوض محمد صلى الله عليه وسلم، وأظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجمعها لي ولكم ولأخواتنا المؤمنات في هذا الملتقى المبارك.
هذه الثلاث يتذكرها المؤمن في غدوه ورواحه، فهي من أعظم ما يُعينه على تحقيق المراد والوصول إلى الغايات العظمى، لأن الغاية العظمى أن يُقدم الإنسان لحياته الحقيقية، قال الله تبارك وتعالى عن أهل الضلال أنهم يتعذر عليهم ذلك فيقولون: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}.
ثم فليتذكر المرء - وهذه خاتمة اللقاء - أن هناك (لو) وهناك (لولا)، وهي عند النحويين: (لو) حرف امتناع لامتناع، و(لولا) حرف امتناع لوجود، فمثلاً لو أن أحد الإخوة اليوم لم يستطع الحضور إلى هذا المخيم، فيقول: لو لم يكن هناك مطر لأتيت، فانتفى إتيانه لانتفاء عدم وجود المطر، أما (لولا) فتكون حرف امتناع لوجود يقول: لولا المطر لأتيت، فانتفى إتيانه لوجود المطر، لو طبقتها على القرآن: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يُري الله أهل الجنة مقاعدهم في النار التي نجاهم منها، ويُري أهل النار مقاعدهم في الجنة التي حُرموا منها بسبب كفرهم، ماذا يقول أهل الجنة؟ {وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ} أي لولا وجود رحمة الله لكنا من أهل النار؛ حرف امتناع لوجود، أما أهل الضلالة فيقولون كما قال الله: {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}، فامتنعت عنهم الهداية فامتنع أن يكونوا من أهل التقوى؛ امتنعت رحمة الله عليهم فامتنع أن يكونوا من أهل الجنة في تلك المقاعد التي يرونهها.
إذا كان المؤمن موفقاً مسدداً يجعل هذه الأمور بين يديه؛ يؤمل أن يصل إلى حياة أسعد، على أن خاتمة المطاف أن يُقال أنه لا يعمر القلب شيء أعظم من ذكر الله جل وعلا، قال الله جل وعلا: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، ومن استأنس بالله استوحش من خلقه، واللبيب العاقل من يجعل له خلوات، إما سجدات في فلق الأسحار أو غير ذلك يذكر ربه تبارك وتعالى فيها سواء كان في ملأ من الناس أو كان في خلوة لوحده، فإن ذكر الله حياة الضمائر وأنس السرائر وأقوى الذخائر، أمر الله به نبيه وحث الله جل وعلا عليه عباده، من وُفق فيه وُفق لخير عظيم.

هذا ما تيسر إيراده وأعان الله على قوله، وما لم نتمكن من قوله يُمكن من خلال أسئلتكم أن نجيب عنه، سائلين الله جل وعلا أن يعفو عن الزلل وأن يجبر الكسر والخلل إن ربي لسميع الدعاء، وصلى الله على محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://shuweil.wwooww.net
 
محاضرة "البحث عن السعادة"
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» تيما " ما يتخافش عليكو " لمصر
» مسرحية " دستور يا سيادنا " على كتكوت وبس
» قصة المسلسل الجديد لسونغول"الكمال المزدوج"
» شبهات وأباطيل حواها تفسير "الكتاب والقرآن" لمحمد شحرور
» خطبه يوم الجمعه لفضيله الشيخ " محمد حسين يعقوب " بعنوان ( اولو بقيه )

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
( lمحمد سالم الشويل ) (شباب قـــرية البـــــــلامون ) :: الفئة الأولى :: الصحـــــــــــابة الكرام-
انتقل الى: